العراق على مفترق الطرق.. إما يكون أو لا يكون!

محمد واني

بسبب الأخطاء الفادحة التي ارتكبتها الحكومات الشيعية المتعاقبة عقب سقوط النظام السابق عام 2003، وخاصة حكومتي نوري المالكي (2006 – 2014) بحق المكون السني في العراق وتجاهله المستمر لمطالبه، ظهر ‏تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وأصبح قوة كبيرة لها وجود فعلي في الساحة العراقية، بدعم مباشر من ‏أطراف سنية تضررت مصالحها من سياسة المالكي الطائفية، كأنصار النظام البعثي السابق وبعض العشائر وقوات ‏الصحوة التي كانت لها دور كبير في دحر تنظيم القاعدة أواخر عام 2006، ولكنها جوزيت من قبل سلطة المالكي جزاء ‏سنمار، وركنت جانبا ولم يعد لها وجود اليوم في الساحة السياسية، بينما حظيت الميليشيات الشيعية باهتمام استثنائي ودعمت بالسلاح وخصصت لها حصة مالية سنوية كبيرة من ميزانية الدولة!

في حين لم تحدد أي ميزانية لقوات البيشمركة الكردية التي هي ‏”جزء من منظومة الأمن والدفاع العراقية، وهي قوة عسكرية دفاعية دستورية” حسب ما ‏نصت عليه المادة (121) من الدستور العراقي. بينما ميليشيات الحشد الشعبي تشكلت بفتوى المرجعية ودعمت بقانون لم يصوت عليه غير الكتل الشيعية في البرلمان.

ورغم زوال خطر داعش المحدق على العراق وتحرير مدينة الموصل والمدن الواقعة تحت براثنه فإن هيئة الحشد الشعبي ظلت تتوسع وتتمدد وتستقطب أعدادا متزايدة من الفصائل حتى وصلت أعدادها إلى أكثر من 70 فصيلا مسلحا، بينما كان المفروض أن تتفكك أو تندمج بالقوات الحكومية النظامية عقب دحر قوات داعش، ولكنها ظلت تتوغل في ثنايا مؤسسات الدولة حتى تحولت إلى دولة قوية داخل دولة ضعيفة تتحكم في قراراتها وتهيمن على أهم مؤسساتها التشريعية وهي البرلمان، وهي ترفض أي مشروع سياسي أو تجاري تعقده حكومة مصطفى الكاظمي لا تصب لصالحها أو لصالح الدول التي ترتبط بها، فقد رفضت مشروع ميناء الفاو الكبير “الذي انتظره أبناء البلد لسنوات طويلة” والذي “يساهم في تطوير محافظة البصرة ويوفر فرصا كبيرة للعراق ويعزز مكانته الجيوسياسية في المنطقة والعالم”، حسب قول الكاظمي.

وسياسيا استقلت بقراراتها عندما انضمت إلى محور المقاومة والممانعة في المنطقة وربطت مصيرها به دون استشارة الحكومة، وكذلك موقفها الرافض لنتائج الانتخابات النيابية المبكرة التي خسرتها وتعطيلها لعملية تشكيل الحكومة الجديدة وتهديدها لممثلي الأمم المتحدة، ومحاولتها اغتيال الكاظمي واستهداف بيته بالصواريخ، وهي مازالت تواصل احتجاجاتها أمام المنطقة الخضراء لإعادة عملية الانتخابات من جديد.

فإذا كانت فتوى المرجعية العليا أعطت الشرعية الدينية لميليشيا الحشد عام 2014، فإن الحكومات التي جاءت بعد 2005، ابتداء من حكومة إبراهيم الجعفري (2005 – 2006) وانتهاء بحكومة الكاظمي، حاولت ترسيخ وجود هذه الميليشيات وتفعيل دورها السياسي في العراق وفرضها على العراقيين.

إذا كان المالكي يعتبر الأب الروحي لهذه الميليشيات وهو من أسسها أول مرة، باعترافه هو، واستعملها في الحرب الطائفية الداخلية في ما بعد، فإن حيدر العبادي (2014 – 2018) الذي وصف هذه الميليشيات بـ”أمل العراق والمنطقة” لم يأل جهدا في سبيل إصدار قانون لصالحها في البرلمان عام 2016. وجاء دور عادل عبدالمهدي (2018 – 2019) ليضفي على هذه الميليشيات الطابع الرسمي ويدخلها في مؤسسات الدولة من أوسع أبوابها.

إن كان قادة الأحزاب الشيعية ورؤساء الحكومات قد خططوا لتأسيس جيش عقائدي طائفي بديل عن الجيش العراقي، فإن للشعب العراقي رأيا آخر وقرارا وطنيا صارما قد يقلب الطاولة على رؤوسهم ويبطل أجنداتهم السياسية، وقد بدأها فعلا بالمظاهرات والاحتجاجات العارمة وقدم تضحيات من دماء أبنائه (أكثر من 800 شهيد) ونجح في إسقاط حكومة عبدالمهدي، وأنهاها بضربة قاضية وأجبرها على إجراء انتخابات مبكرة وجعلها تتجرع مرارة الهزيمة النكراء وتترنح تحت الضربات الموجعة لأول مرة.

أتصور أن الكاظمي قد أدار الصراع السياسي معهم بذكاء وحرفية عالية وتحلى بصبر منقطع النظير، وأشرف على انتخابات نزيهة أدارها مع فريق المفوضية “بشكل مهني” حسب كلمة رئيسة بعثة الأمم المتحدة في العراق جينين بلاسخارت في مجلس الأمن. وقد أشاد بها رئيس إقليم كردستان نيجيرفان البارزاني واعتبرها “من أفضل العمليات الانتخابية” التي جرت في العراق منذ 2005 آملا أن “يساهم البرلمان القادم في حسم الخلافات بين بغداد وأربيل، وإحداث استقرار سياسي في البلاد”.

*نقلاً عن “العرب”

شاهد أيضاً

معاهدة الأمس وتهديدات الغد

أمير طاهريهل يقف العالم على موعد مع سباق تسلح وشيك يمكن أن يتسبب في نشر …