الانتخابات العراقية مرة أخرى

إبراهيم الزبيدي
هناك قولٌ أميركي تكرره الأم على صغيرها كلما دخل معها إلى السبرماركت، يقول: You can’t have everything، وترجمته إلى العربية “لا تستطيع أن تحصل على كل شيء”، وذلك لتعويده على القناعة والرضا بالممكن فقط من الأمور.

ويبدو أن الشعب العراقي آمن بنصيحة الأم الأميركية، وأصبح واقعيا لا يطلب ولا يتوقع سوى الممكن والمسموح به فقط لا غير.

وبالمقابل لا يبدو أن الرئيسين، برهم صالح ومصطفى الكاظمي، متفقان مع الشعب العراقي، بحديثهما عن الانتخابات المقبلة التي يريدانها الفرصةَ الذهبية المنتظرة لرفع الزير من البير، وتحقيق العدالة والحرية والكفاية، وإعادة هيبة الدولة، وقلب موازين العملية السياسية القائمة على المحاصصة، وإخراج الوطن من مأزقه وإيصاله إلى شاطئ الأمان.

لكل من الجبهتين أسبابُهما في تقدير الموقف وتوقع المحتمل. ففي قناعة الشعب العراقي أن أقصى ما يمكن أن تتمخض عنه الانتخابات القادمة، إذا جرت في موعدها ولم يتمّ تأجيلها أو إلغاؤها، هو أن يَدخل الرئيسان، صالح والكاظمي، هذه المرة، إلى البرلمان وهما صاحبا كتلة نيابية قوية يُحسب حسابها في موازين القوى الثابتة في العملية السياسية المسيرة إيرانيا، أسوة بكتلة نوري المالكي، وكتلة حيدر العبادي، وغيرهما، وقد يُجبران باقي الكتل، بقوة كتلتهما الجديدة، على إعادة تكليفهما بالرئاستين، ليس فقط من باب الطموح الشخصي، وحبّ السجاد الأحمر، وموسيقى السلام الوطني، والمخصصات، والنثريات، والحماية فقط، بل أيضا لتحقيق ما يمكن تحقيقه من تغييرات وتبديلات وإصلاحات تُرضي الشارع الغاضب المحتقن، وتقنعه بأن ثقته بهما كانت في محلها.

أما الشعب العراقي فمقتنع قناعة تكاد تكون راسخة بأن أكثر من الترقيع، ومن إعادة تدوير الوجوه القديمة، لن يكون ممكنا بأي حال من الأحوال. والسبب واضح وبسيط. فما دام الحرس الثوري الإيراني هو الحاكم بأمره في العراق، بأحزابه وميليشياته، فإن أنيابه وأظافره منتشرة ومتغلغلة في جميع مفاصل الدولة، من رئاسة جمهوريتها إلى رئاسة وزرائها مرورا بوزارة دفاعها وداخليتها وماليتها وخارجيتها ومصارفها ومطاعمها ومقاهيها، حتى لم يعد للخيط الرفيع أن يمرّ من ثقب إبرة إلّا إذا سمح السيّد المطاع.

وما دامت الأحزاب والميليشيات والمافيات قد زرعت منتسبيها والمؤتمرين بأمرها في أصغر دوائر الدولة وأكبرها وأصبحت قادرة على التصرف بالبطاقات الانتخابية، ومتخصصة بنقل صناديق الاقتراع من مكان آمن إلى مكان آمن غيره، إضافة إلى قدرتها على إرهاب الناخبين أو شراء أصواتهم بالمال أو بالوظيفة، فلا أمل في أن تختلف الانتخابات الجديدة عن أخواتها السابقات.

وبما أن الواقع المريض الحالي لم يتغيّر في ثماني عشرة سنة، فلا يُنتظر له أن يتغير في الأشهر القليلة الباقية على موعد الانتخابات القادمة.

من كل هذه المعطيات يتضح أن الرئيسين، صالح والكاظمي، لن يكونا الثنائي السياسي العراقي، أسوة بثنائي عبدالله غول ورجب طيب أردوغان في تركيا، وفلاديمير بوتين وديمتري ميدفيديف في روسيا، فحين يكون الأول رئيسا للجمهورية يكون الثاني رئيسا للوزراء، ثم يتبادلان المواقع حسب الحاجة والظروف.

يضاف إلى كل الأسباب التي تمنع أمل الرئيسين من التحقّق سببٌ آخر هو أن الناخبين العراقيين، في جنوبهم ووسطهم وغربهم وشمالهم، فقدوا القدرة على الصبر الجميل، وملّوا من رؤية نفس الوجوه، ومن سماع نفس البيانات والتصريحات، وتعبوا من انتظار نفس الوعود، وكرهوا العيش في نفس الدولة التي يتصدى لقيادتها أصحاب سياسة “العين بصيرة واليد قصيرة”، وأصبحوا أكثر تعلقا وإصرارا على تغيير قواعد اللعبة من أساسها، وبوجوه جديدة ولغة جديدة وسياسة جديدة، لا مكان فيها لأحد من حرس قديم.

فهل هناك من يخبرنا بما خدم به الشعبَ العراقيَّ الفائزون في انتخابات 2005 و2010 و2014 و2018، هادي العامري ومقتدى الصدر وعمار الحكيم ونوري المالكي وحيدر العبادي وأسامة النجيفي وطارق الهاشمي ورافع العيساوي وصالح المطلق وإيّاد علاوي وأحمد الجلبي وسليم الجبوري وأحمد الجبوري وخميس الخنجر، أو أيّ واحد آخر من أعضاء نادي المحاصصة؟

من يراقب، اليوم، أخبارهم، ويستعرض شعاراتهم، ويتابع اشتغالهم بتحضير أنفسهم لخوض الانتخابات القادمة المحتملة، يَفقد الأمل ويخسر الرهان، ويتأكد من أن الطاس سيبقى نفس الطاس، وأن الحمام سيبقى نفس الحمام، مع الأسف الشديد.

إنهم عائدون، شاء من شاء وأبى من أبى، ولكل حادث حديث. والذي يؤكد هذا الاحتمال هو كلام الكاظمي نفسِه الذي أعلنه خلال جلسة مجلس الوزراء الاستثنائية لمناقشة الموازنة العامة الاتحادية للسنة المالية 2021، قائلا “إن العراق يواجه انهيار النظام والدخول في فوضى عارمة، ما لم يدخل في عملية قيصرية للإصلاح”، و”منذ عام 2003 ونحن نعاني من التأسيس الخطأ الذي يهدد النظام السياسي والاجتماعي بالانهيار الكامل”.

هذا مع الاعتراف بأن الأموال الطائلة بدأت تتدفق على المرشحين من إيران والخليج وأميركا، يتسلمها مرشحون لا يملكون من الزعامة سوى مواهب “البلف” والخداع والقفز من حبل إلى حبل، وحسب الظروف، ووفق تقلّب الرياح.

نقلاً عن “العرب”

المقالات و الآراء المنشورة على موقع قناة كلمة الفضائية تنشر لإعلام القراء عن آراء الآخرين ولاتعبر بالضرورة عن رأي أصحاب الموقع.

شاهد أيضاً

ضع مع هذا كله… نووي إيران!

للكاتب: مشاري الذايدي في الوقت الذي يتابع العالم الغربي منه والعربي والآسيوي التداعيات المذهلة في …