ترامب وسوريا - أرشيفية

مناطق ترامب الآمنة.. عودة أمريكية لسوريا تربك المشهد

فاجأ الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، دول الشرق الأوسط وروسيا بالكشف عن مسودة قرار تنفيذي يعتزم التوقيع عليه، ويقضي بمطالبة وزارتي الدفاع والخارجية الأمريكيتين، خلال 90 يوماً من تاريخه، بوضع خطة لإنشاء مناطق آمنة في سوريا ومحيطها لحماية المدنيين السوريين، وهي خطوة تخلط – بمجرد الإعلان عنها – الكثير من الأوراق والترتيبات القائمة في المنطقة، التي صاغتها إدارة الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما، من خلال انكفائها الحاد وتخليها غير المعلن عن الملف السوري برمته.

وبحسب ما كشفت وكالة “رويترز” الأربعاء 25 يناير، قالت مسودة القرار: “توجه وزارة الخارجية بالتعاون مع وزارة الدفاع في غضون 90 يوماً من تاريخ هذا الأمر بوضع خطة لتوفير مناطق آمنة في سوريا وفي المنطقة المحيطة، يمكن فيها للمواطنين السوريين الذين نزحوا من وطنهم انتظار توطين دائم، مثل إعادتهم لبلادهم أو إعادة توطينهم في بلد ثالث”.

وتشير هذه العبارات إلى أن المناطق الآمنة المزمع إنشاؤها لن تشمل جميع الأراضي السورية، بما أن بعض النازحين السوريين سواء في الداخل أو في الدول المجاورة سيتمكنون من العودة إلى وطنهم، في حين سيتم إعادة توطين من لم يتمكنوا من العودة؛ لأن مناطقهم لم يتم تأمينها، في بلد ثالث.

وتعد خطوة إقامة المناطق الآمنة في سوريا تحولاً عميقاً في السياسة الأمريكية تجاه هذا البلد الذي لحق الدمار معظم مدنه، وشردت الحرب الملايين من سكانه، فقد قاوم الرئيس السابق باراك أوباما طويلاً، وحتى نهاية ولايته، ضغوط الكونغرس ومسؤولين في وزارة الخارجية، وضغوط حلفاء واشنطن وعلى رأسهم تركيا في هذا الشأن.

وجادل أوباما بأن خطوة كهذه ستؤدي بالضرورة إلى انخراط عسكري أمريكي أكبر، وموارد إضافية، لكنّ خصومه ومحللين رأوا في سلوك أوباما محاباة ظاهرة لإيران، التي تتمتع بنفوذ كبير على نظام الأسد، ومحاولة منه لعدم التعكير على إنجاز الاتفاق النووي التاريخي معها أو إفشاله.

 “سيزر”

ورغم المفاجأة التي أحدثها الكشف عن عزم ترامب التوقيع على القرار، فإن الرئيس الأمريكي في الحقيقة لا يعدو أن يكون منفذاً لقانون “سيزر” الذي أقره الكونغرس منتصف نوفمبر الماضي؛ أي قبل نحو 10 أسابيع فقط من نهاية ولاية أوباما وبعد أيام من إعلان فوز ترامب بانتخابات الرئاسة، وأمهل القانون “الرئيس المقبل” 90 يوماً لوضع خطة لإنشاء المناطق الآمنة. وسبق أن عارضت إدارة أوباما القانون ونجحت في تأجيل مناقشته في سبتمبر الماضي.

قانون “حماية المدنيين” أطلق عليه اسم “سيزر”، تيمناً بالاسم المستعار لضابط منشق عن نظام الأسد، سرّب 55 ألف صورة لـ11 ألف معتقل قتلوا تحت التعذيب حتى عام 2014، وعرضت تلك الصور في الكونغرس الأمريكي، وأثارت ردود فعل غاضبة، يدعو الإدارة الأمريكية لفرض عقوبات جديدة على نظام الأسد وكل داعميه من الدول والكيانات، بما فيها إيران وروسيا. كما ينص على فرض عقوبات على أي كيان يتعامل مع قطاعات حكومية خاضعة لسيطرة الأسد؛ بينها قطاعات الطيران والاتصالات والطاقة.

“قانون سيزر” أكد أن بشار الأسد مسؤول عن مقتل أكثر من 400 ألف مدني، وتدمير أكثر من 50% من البنية التحتية السورية، وتشريد أكثر من 14 مليون نسمة، واتهمه صراحة بارتكاب جرائم حرب. كما ذكر القانون أن المجتمع الدولي فشل في حماية المدنيين من هجمات قوات الأسد وحزب الله، التي استهدفتهم بالبراميل، والأسلحة الكيميائية، واستخدام التجويع كسلاح، واستهداف المدنيين في تجمعاتهم ومنشآتهم.

واللافت في قانون الكونغرس تحميله نظام الأسد المسؤولية عن ظهور التنظيمات “الإرهابية” مثل “داعش” و”جبهة النصرة”، وهي نقطة بخلاف ما تحدث عنه ترامب خلال حملته الانتخابية التي دعا فيها لعدم التركيز على الأسد؛ لأنه يقاتل التنظيمات الإرهابية، بحسب وصفه. وأمهل القانون الرئيس الأمريكي 90 يوماً ليقترح آلية منطقة حظر جوي في سوريا، وفي حال تجاوز المدة ستقوم لجنة الشؤون الخارجية والدفاع بتقديم المقترح للرئيس.

إرباك للحسابات

ومن المرجح أن تؤدي الخطوة الأمريكية الجديدة إلى إرباك بعض الحسابات الإقليمية المرتبطة بالملف السوري، وربما إعادة رسم المشهد بعدما رسمته المعطيات الميدانية الجديدة، ورجحان كفة الأسد وداعميه عسكرياً؛ نتيجة الانسحاب الأمريكي المتعمد من الملف لحساب الدور الروسي، ونشوء مسار جديد للتسوية برعاية روسية وشراكة تركية، في ظل أزمة ثقة عميقة بين أنقرة وواشنطن.

فقد شهدت العاصمة الكازاخية أستانة في 23 و24 يناير/ديسمبر الجاري انطلاق محادثات مباشرة بين نظام الأسد وفصائل المعارضة السورية المسلحة، ورغم أن رعاة المحادثات وأطرافها أكدوا أن الهدف الرئيسي منها هو تثبيت وقف إطلاق النار للانطلاق بعد ذلك إلى محادثات التسوية السياسية في جنيف برعاية أممية، فإن أهداف موسكو وأنقرة غير المعلنة منه هي العمل على تسوية القضية السورية بعيداً عن نفوذ واشنطن وهيمنتها، في ضربة معنوية تحاول حكومتا البلدين توجيهها للولايات المتحدة.

وبنت أنقرة مع موسكو مستوى غير مسبوق من التنسيق والشراكة في هذا الملف، في حين قد يؤدي عزم ترامب على تنفيذ خطة المناطق الآمنة إلى إرباك أنقرة في هذا الصدد ووضعها بين خيارين؛ أن تنخرط في التوجه الأمريكي الجديد، علماً بأنه يمثل رؤيتها منذ سنوات، أو أن تبتعد عنه حفاظاً على مستوى التنسيق مع موسكو.

وظهرت بوادر الارتباك وخلط الأوراق مع ردود فعل البلدين؛ فبينما رحبت كل من قطر وتركيا بخطة ترامب لإنشاء المناطق الآمنة في سوريا وجوارها، وقالت أنقرة إنها ستدرس المشروع عن كثب، عبرت موسكو بصورة ضمنية عن قلقها إزاء ذلك، ودعا الكرملين ترامب إلى “التفكير في العواقب المحتملة لهذا القرار”، مؤكداً أن ترامب لم ينسق معهم في هذا الموضوع.

ومن ناحية أخرى بات ملف مصير الأسد، المشكلة الكبرى في أي محادثات حول الحل السياسي في سوريا، في حكم المطوي في الآونة الأخيرة، بعدما سادت الرؤية الروسية على المشهد، وتصريحات صدرت عن أنقرة وعواصم غربية تعبر عن تخليها بطريقة ما عن فكرة رحيل الأسد الفوري. لكن قانون “سيزر” الذي بدأ ترامب بتنفيذه سيعيق أي تسوية من هذا القبيل.

ففي تصريح سابق له حول إقرار القانون كشف المعارض السوري حسان الشلبي، مسؤول ملف “سيزر” في الولايات المتحدة، الذي قاد جهود إقناع الكونغرس، أن قانون حماية المدنيين “سوف يحول دون مشاركة بشار الأسد ونظامه في المرحلة الانتقالية؛ لأنه يدينه بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، إذ سيمثل عثرة أمام أي حل سياسي”، مبيناً أن “هناك أوامر بالقتل، وإنشاء مقابر جماعية، وتصفية المعتقلين، عليها تواقيع رسمية من بشار الأسد”.

وبين حسان الشلبي أنه عند دخول القانون حيز التنفيذ، لن تستطيع الولايات المتحدة القبول ببقاء الأسد في المرحلة الانتقالية؛ لأنه سيصبح مداناً بشكل رسمي بارتكاب جرائم حرب، وسيكون من الممكن محاكمته أمام المحاكم الأمريكية.

الخليج أون لاين

شاهد أيضاً

اميركا محذرة:التعاون مع الناقلة النفطية غريس 1 دعم للأرهاب

أكدت الخارجية الامريكية الثلاثاء 20 أغسطس بأن أي جهود لمساعدة الناقلة الإيرانية قد يُنظر لها …