تسقط حلب.. الحرب لا تسقط!

عبدالله العوضي

بعد الموصل تنتقل الميليشيات الإيرانية إلى حلب لإنهاء الفصل الثاني من هذه المأساة التي تُركت قرابة نصف مليون من سكان حلب مسفوحي الدم ومنزوحي الوطن. ستة «فيتوهات» ضد الهدنة بأي شكل، يعني استمرار سياسة حرق الأرض بمن وما عليها وخلق أزمة طويلة المدى يصعب من خلالها الوصول إلى أي مطلب مشروع للمعارضة مما أقر به العالم وعلى رأسه عملية الانتقال السياسي السلمي التي وَضع لها أخيراً شرطاً بلا شروط.

الجديد في المعادلة وفق المنظور الروسي السوري هو اتهام المعارضة المعتدلة بالإرهاب، وهذا ما جاء واضحاً صراحة على لسان وزير الخارجية الروسي عندما أشار إلى أن المسلحين «الذين يرفضون مغادرة حلب سيتم التعامل معهم كإرهابيين، وسندعم أي عملية للجيش السوري ضدهم»، وهذا ما عبر به النظام السوري أيضاً في بيان صادر عن وزارة خارجيته أكد رفضه لأي اتفاق لوقف إطلاق النار ما لم يغادر من تصفهم بالإرهابيين الجزء الشرقي من حلب. وقال المندوب البريطاني ماثيو رايكروفت إن استخدام روسيا للفيتو يعني أنها وداعميها «وافقوا على حصار مئات الآلاف من الأبرياء من النساء والرجال والأطفال الذين يتحملون الجحيم الآن في حلب»!

العالم كله يتحدث في وادٍ ورأس النظام يتحدث في وادٍ آخر بعيد عن أي نبرة لانتقال سياسي، وهو ما أكده بشار قبل فترة وجيزة عندما قال: «إن بوتين لم يتحدث مطلقاً معه عن ترك السلطة»، ورغم الضغوط التي تمارسها واشنطن لرحيله، لم يصدر من بوتين أو لافروف أبداً كلمة واحدة في هذا الشأن. وأضاف أنه لا يساوره قلق من أن يعقد بوتين وكيري اتفاقاً للإطاحة به من السلطة، وقال: «لأن السياسة الروسية لا تقوم على إبرام الصفقات. إنها تستند إلى القيم»، وهذه القيم هي التي ساهمت في إزاحة نصف الشعب السوري من وطنه إلى المجهول، والنظام الذي استدعى قوى الخارج للحفاظ على الكرسي ولو ضاع الوطن ثمناً له.

فللنظام في تاريخه سهم ضارب في ذلك منذ أزمة «حماة» في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي عندما كان رأس النظام آنذاك مستعداً لإبادة سوريا من أجل الحفاظ على الطائفة العلوية الحاكمة. نعم أخمدت الثورة هناك بالتضحية بما يقارب أربعين ألف سوري واليوم قيمة المساومة ليست الطائفة العلوية، بل سوريا بأكملها وليس «حماة» الثمانينيات. قد تكون ثمة مساومة مقبلة ولكنها ستكون بشعة وخطرة وتتم على قبور أكثر من 400 ألف شخص ممن قُتلوا في السنوات الأخيرة من حكم الأسد الابن، وإن من أنقاض حلب سيخرج مقترب جديد للنزاع سيسمّم السياسة العالمية، كما أشارت إلى ذلك إحدى الصحف الأجنبية في هذه الأيام، فهل يضحي أي عاقل بالبيت كله من أجل البقاء على الكرسي فيه سالماً وهل هذا هو خير مغنم؟

سياسياً، انتصار روسيا وإيران والنظام الحاكم في سوريا على المعارضة المعتدلة البعيدة عن الإرهاب المتطرف، من «داعش» وغيره من المنظمات التي توزعت سموم أفكارها في أرض الشام، ليس في صالح النظام العالمي الذي احتفى بالفوضى الخلاقة لسلسلة من الأزمات المتداخلة ومن الوصول إلى نقطة نظام من بعدها أمن واستقرار وأمان.

إن عودة النظام الحاكم ومن يدعمه إلى العام 2010 أقرب إلى حالة من الانتحار السياسي لكل من وضع يده سلباً ونهباً وقتلاً وسحلاً وتشريداً أو نزوحاً ولجوءاً إلى حيث العدم في الرؤية والمسارات، فالحرب حتى لو وضعت أوزارها الكارثية في حلب، فإنها مستمرة بوقود الطائفية البغيضة فهي مشتعلة وإن انتهت في حلب فشراراتها ما زالت متقدة وآثارها التدميرية لا تقارَن مع أي سلاح آخر استُخدم في هذه الإبادة الجماعية لمكونات الشعب السوري الذي عاش في وطن لم يرفع للطائفية يوماً رأساً، لا للحرب ولا للحربة.

فاليوم قد يراهن النظام ومن حوله من القوى التي استباحت كل الوطن السوري على معركة الفصل في حلب كأنها هي المصير الذي يحدد مستقبل سوريا في الفترة المقبلة، ولكن هذا رهان قاصر وقصير النظر، بكل المقاييس.

ليس في المنظور القريب شيء اسمه سوريا العام 2010، وليس لهذا التاريخ أثر في أي مشروع مستقبلي للرجوع إلى الخلف فلم يحدث ذلك في الماضي حتى يقع الآن والحال عصيٌّ على الوصف الأدبي، فكل أدبيات السياسة الإقليمية والعالمية تذهب تجاه التقسيم الذي لا يستقيم إلا على ركن الحرب المستدامة، وهذا ما نقلته «رويترز» أخيراً عن مسؤول أميركي في قوله: «تسقط حلب لكن الحرب تستمر»!

هذه الحرب العدمية التي قتلت روح الإنسانية في الإنسان وحطمت فيه مساحة التسامح والتعايش البعيد عن نبرة الانتقام المباشر والعنف المضاد تحت أسماء برّاقة بالحقد والبغض وحرق الأخضر في كل قلب والأبيض في كل نفس، فلا حكم في هذه الصورة يدوم ولا كرسي يصمد أمام هذا الطوفان السياسي المشحون برائحة الدم والصديد الذي يُمنع فيه استخدام المراهم والأدوية المباحة لإحداث المزيد من الآلام والجراح المفتوحة في أرض الملحمة غير المتكافئة إقليمياً ودولياً، فالعجز أصاب الجميع بما فيهم قوى الاعتدال.

* نقلا عن “الاتحاد

شاهد أيضاً

سم الزئبق الإيراني يسري في الفراغات السياسية بالمنطقة

أحمد أمير محمد-خبير في الشؤون الإيرانية “من أعراض إصابة الجهاز العصبي بالتسمم الزئبقي تبدل لون …